الشيخ محمد تقي الرازي الأصفهاني
350
هداية المسترشدين ( طبع قديم )
أخرجناه عن حقيقة العهد واللام في الرجل فيما ذكرنا من المثال إن جعلناه للعهد الحضوري كان التعريف لا ينافي كون مدخوله مستعملا في نفس الطبيعة فإن المقصود تعريفه في ضمن الخصوصية دون نفس الطبيعة وإن جعل لتعريف الجنس كان إطلاقه على الفرد من جهة اتحاد الطبيعة معه فليس حينئذ من العهد الحضوري في شيء كما لا يخفى وجميع ما ذكرناه ظاهر لمن أعطى النظر حقه في ملاحظة ما هو الملحوظ في إطلاق اللفظ في تلك المقامات إذا عرفت جميع ما ذكرناه في معاني اللام فاعلم أنه قد وقع الخلاف في المقام في بيان ما وضع له ويدل عليه بحسب الحقيقة وكذا في إرجاع بعض المعاني المذكورة إلى البعض فهاهنا وجوه وأقوال أحدها حقيقة في تعريف الجنس وسائر الوجوه من الاستغراق والعهد الخارجي بأقسامه والذهني راجعة إلى الجنس فيكون اللام في الجميع لتعريف الجنس لا بشرط شيء والاستغراق والعهد الخارجي والذهني أمور مفهومة من الخارج إذ قد يقوم القرينة من ملاحظة المقام أو غيره على كون تلك الطبيعة في ضمن جميع الأفراد فيكون استغراقا أو على كونها في ضمن فرد معين بعد أن علم من الخارج فيكون للعهد بأقسامه أو على كونها في ضمن بعض الأفراد من غير تعيين فيكون للعهد الذهني فلا تجوز في اللام في شيء من تلك الإطلاقات لاستعماله فيما وضع له من تعريف الجنس وإنما يعلم تلك الخصوصيات من الأمور الخارجية وحكي القول به عن الفاضل القوشجي والوجه فيه ثبوت مجيئها لتعريف الجنس كما ترى من ملاحظة الاستعمالات وشهادة التبادر وعدم وضوح استعمالها في خصوص شيء من المعاني الأخر لإمكان إرجاعها على الوجه المذكور بإرادة تعريف الطبيعة من اللفظ وفهم تلك الخصوصيات من الخارج فلا حاجة إلى تكثير معانيها ليلزم الاشتراك أو المجاز المخالفين للأصل وفيه أن اللام في العهد ليس إلا لتعريف خصوص الفرد والإشارة إليه وليس تعريف للجنس أصلا ألا ترى إلى قوله تعالى فعصى فرعون الرسول فإنه ليس المراد بقوله الرسول إلا الإشارة إلى الرسول المقدم في الذكر وأي ذلك من تعريف الجنس والإشارة إليه والعلم بإطلاقه على الفرد من جهة القرينة نظير ما ذكرناه في العهد الذهني ولو كان ذلك لتعريف الجنس لم يفد تعريف خصوص الفرد والإشارة إليه أصلا لما هو واضح من أن تعريف العام وتعينه لا يفيد تعريف الخاص وتعينه أصلا وكذا مفرد الخاص بالوجه العام ليس إلا معرفة لذلك العام دون الخاص وكذا الحال في الاستغراق بالنسبة إلى الجمع فإن التعريف والإشارة فيه ليس إلا بخصوص الأفراد من غير إشارة إلى الطبيعة أصلا كما هو واضح من ملاحظة أمثلته إذ الجمع الذي هو مدخول اللام إنما وضع لخصوص الآحاد واللام الداخلة عليه إنما يفيد تعريف تلك الآحاد والإشارة إليها وأين ذلك من تعريف الطبيعة ثانيها أنها موضوعة لخصوص الجنس فهي مشتركة بين المعنيين ويرجع الاستغراق والعهد الذهني إلى الجنس فيكون الجنس على وجوه ثلاثة فإنه إذا أشير باللام إلى الجنس فإما أن يكون إشارة إلى الطبيعة من حيث هو من حيث حصوله في الأفراد وعلى الثاني فإما أن يراد به الجنس الحاصل في ضمن جميع الأفراد وبعضها فالأول لتعريف الحقيقة والثاني للاستغراق والثالث للعهد الذهني والجميع يندرج في تعريف الجنس وحكي القول به من العلامة التفتازاني والمحقق الشريف والوجه فيه ما عرفت من وهن إرجاع العهد إلى الجنس فهما معنيان مستقلان والظاهر من ملاحظة الإطلاقات كونها حقيقة في كل منها على أن كونه حقيقة في تعريف الجنس في الجملة مما لا كلام فيه وإرادة العهد أوضح منه مع وجود المعهود حيث إنه أقرب إلى الفهم ولذا يقدم حينئذ على الجنس فيكون أولى بثبوت الوضع له وإنما أرجعوا الاستغراق إلى الجنس نظرا إلى حضور الطبيعة يكون سببا لإحضار أفراده في الذهن عند قيام القرينة الباعثة عند الإطلاق الانتقال وجميع الأفراد أمر متعين في الذهن ليعرف حينئذ بتعريف الجنس وقد عرفت الحال في سهولة الأمر في إرجاع العهد الذهني إلى تعريف الطبيعة وفيه أولا ما عرفت من وهن إرجاع الاستغراق إلى الجنس في الجمع المعرف وأنه في كمال البعد بل الظاهر أنه ظاهر الفساد نعم يحتمل القول به بالنسبة إلى المفرد المعرف إذا أريد به الاستغراق حسبما مرت الإشارة إليه وذلك على فرض تسليمه لا يقضي بإرجاع الاستغراق مطلقا إلى الجنس وثانيا ما سيجيء الإشارة إليه من بعد القول بالاشتراك في المقام ثالثها أنها موضوعة لكل من المعاني المذكورة من غير إرجاع شيء منها إلى الآخر فتكون مشتركة بينها لفظا حكاه بعضهم عن ظاهر بعض من كلام العلامة التفتازاني في بعض تصانيفه والوجه فيه أنها معان مستقلة يستعمل اللفظ فيها ويراد منها أنها فيها فإرجاع بعضها إلى البعض تكلف مستغنى عنه وظاهر الاستعمالات كونها حقيقة في الجميع أما الترجيح الاشتراك على المجاز أو لاستظهار ذلك من ملاحظة موارد استعمالها ويضعفه ما عرفت من ظهور إرجاع العهد الذهني إلى الجنس وأن القول باشتراكها بين تلك المعاني خلاف الظاهر بل الظاهر وضعها لمعنى واحد جار في الجميع حسبما يأتي الإشارة إليه رابعها أنها موضوعة لتعريف الجنس خاصة فاستعمالها في غيره من المعاني مجاز من غير إرجاع شيء من المعاني المذكورة إلى آخر ما ذهب إليه غير واحد من متأخري المتأخرين إلا أنه جعل الجمع المحلى باللام موضوعا للعموم بوضع جديد حسبما يجيء تفصيل القول فيه والوجه فيه أن المتبادر من المعرف باللام هو تعريف الجنس فيكون حقيقة فيه مجازا في غيره فردت بالمجاز على الاشتراك ولتبادر الغير الذي هو من أمارات المجاز ومن يدعي كونه حقيقة في العهد أو الاستغراق لا بد له من إثبات وضع جديد للهيئة التركيبية وأنى له بذلك نعم لا يبعد القول به في الجمع المعرف بالنسبة إلى الاستغراق لما دل عليه مما سيجيء ذكره ويضعف أن تبادر الجنس من المعرف باللام إنما هو في خصوص الفرد مع انتفاء العهد وليس ذلك من جهة وضع اللام لخصوص تعريف الجنس بل لكونه موضوعا لمطلق التعريف ووضع مدخوله للجنس فيفيد لذلك تعريف الجنس فلا يدل ذلك على وضعها لخصوص تعريف الجنس كيف وكون استعماله في العهد حقيقة مما لا يعتريه ريب عند ملاحظة العرف وهو الذي يستفاد من كلام أهل العربية بل الظاهر تقديمه على غيره كما يأتي وكذا الحال في الاستغراق بالنسبة إلى الجميع بعد انتفاء العهد من غير حاجة إلى التزام وضع فيه للعهد للهيئة التركيبية كما ادعاه وقد عرفت الحال في إرجاع العهد الذهني إلى تعريف الجنس خامسها ما احتملها بعضهم في المقام وهو أن يجعل كلا من الجنس والاستغراق والعهد معنى برأسه ويرجع العهد الذهني خاصة إلى الجنس وهذا الوجه أقرب من الوجوه